حق حضور المحامي في قسم الشرطة

من أكثر الأسئلة تكراراً على من يتعرض لموقف قانوني مفاجئ داخل قسم الشرطة: هل حضور المحامي وجوبي منذ اللحظة الأولى؟ والإجابة الدقيقة، التي كثيراً ما تختلط على غير المتخصصين، هي أن حضور المحامي في قسم الشرطة ليس شرطاً وجوبياً لصحة الإجراءات في كل الأحوال، لكنه في المقابل حق أصيل للمتهم لا يجوز حرمانه منه إذا تمسك به، ومنعه من هذا الحق قد يبطل ما ترتب عليه من إجراءات. والفارق بين «الوجوب» و«الحق الذي يجب تمكين صاحبه منه» هو مفتاح فهم هذا الموضوع بأكمله.

أولاً: الأساس الدستوري والقانوني

أرسى دستور 2014 هذا الحق بوصفه ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة، إذ نصت المادة 54 منه على أنه لا يبدأ التحقيق مع المتهم إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، نُدب له محام. وهذا النص، وإن كان موجهاً بالأساس إلى مرحلة التحقيق القضائي أمام النيابة العامة، إلا أن القضاء اعتبره تعبيراً عن مبدأ دستوري عام يحكم فلسفة التشريع الجنائي بأكمله، ويُستأنس به في تفسير النصوص الإجرائية كافة.

وقد جاء قانون الإجراءات الجنائية ليُفصّل هذا المبدأ في مرحلة التحقيق، فنصت المادة 124 منه على أنه لا يجوز للمحقق في الجنايات، وفي الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوباً، أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور، إلا في حالة التلبس أو حالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة، على أن يُثبت المحقق ذلك في المحضر. كما نصت المادة 139 على وجوب تمكين محامي المتهم من الاطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الاستجواب. وتخص هاتان المادتان مرحلة التحقيق أمام النيابة العامة تحديداً، لا مرحلة جمع الاستدلالات في قسم الشرطة.

ثانياً: التفرقة الجوهرية بين قسم الشرطة والنيابة العامة

يكمن جوهر الموضوع في التفرقة بين مرحلتين مختلفتين تماماً من حيث الطبيعة القانونية والأثر المترتب على غياب المحامي فيهما:

مرحلة الاستدلال في قسم الشرطة:

في هذه المرحلة، يباشر مأمور الضبط القضائي عملاً محدود النطاق يُعرف بجمع الاستدلالات، ويقتصر دوره على «سؤال» المتهم عن بياناته الأولية والوقائع الظاهرة، دون أن يمتد ذلك إلى استجواب تفصيلي لمناقشة التهمة وأدلتها ومواجهته بها، إذ إن هذا الأخير من صميم اختصاص سلطة التحقيق (النيابة العامة) دون سواها. وعلى هذا الأساس، فإن حضور المحامي في هذه المرحلة حق للمتهم يجب تمكينه منه إذا طلبه، لكنه ليس شرطاً وجوبياً مسبقاً لصحة محضر جمع الاستدلالات ذاته إذا لم يطلبه المتهم.

مرحلة التحقيق أمام النيابة العامة:

أما إذا انتقلت القضية إلى مرحلة التحقيق القضائي أمام النيابة العامة، في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وجوباً، فإن دعوة المحامي للحضور تصبح شرطاً وجوبياً لصحة الاستجواب، ما لم تتوافر إحدى حالتي التلبس أو السرعة الخشية من ضياع الأدلة، وفي هاتين الحالتين الاستثنائيتين وحدهما يقع عبء إثبات مبررهما على المحقق ذاته في محضره، تحت رقابة محكمة الموضوع.

ثالثاً: متى يبطل غياب المحامي الإجراءات؟

استقر القضاء الجنائي على أن الإجراء الذي يتم دون دعوة محامي المتهم، رغم وجوب ذلك قانوناً، يترتب عليه بطلان هذا الإجراء وما يتفرع عنه من أدلة، إعمالاً لقاعدة أن ما بُني على باطل فهو باطل. ويمكن حصر أبرز الحالات التي يُثار فيها هذا البطلان عملياً فيما يلي:

•  استجواب المتهم أمام النيابة العامة في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وجوباً دون دعوة محاميه، وبغير توافر حالتي التلبس أو السرعة.

•  تجاوز مأمور الضبط القضائي في قسم الشرطة حدود اختصاصه، بأن يُجري استجواباً تفصيلياً حقيقياً للمتهم في التهمة وأدلتها، بدلاً من الاقتصار على سؤال أولي، إذ يُعد ذلك اغتصاباً لاختصاص النيابة العامة يبطل الإجراء بصرف النظر عن حضور المحامي من عدمه.

•  إصرار الضابط على استكمال سؤال المتهم رغم تمسك الأخير صراحة بحضور محاميه، إذ يمثل ذلك حرماناً فعلياً من حق أصيل كفله الدستور.

•  الاعتماد على اعتراف صدر في قسم الشرطة دون حضور محام، ودون ما يثبت إحاطة المتهم بحقه في الصمت، بحيث لا يصلح هذا الاعتراف وحده سنداً كافياً للإدانة، وإن جاز للمحكمة الاستئناس به في إطار باقي أدلة الدعوى.

رابعاً: الخلاصة العملية داخل قسم الشرطة

•  سؤال أولي عن الاسم والعنوان والبيانات الشخصية: لا يستوجب حضور محام.

•  محضر جمع استدلالات عام: حضور المحامي حق للمتهم متى طلبه، وعدم حضوره من تلقاء نفسه لا يبطل المحضر.

•  استجواب تفصيلي عن التهمة وأدلتها داخل القسم: إجراء متجاوز للاختصاص أصلاً، سواء تم بحضور محام أو بدونه.

•  تحقيق النيابة العامة في جناية أو جنحة حبس وجوبي: حضور المحامي وجوبي، وغيابه دون مبرر قانوني يبطل الاستجواب.

خامساً: خطوات عملية لمن يجد نفسه في هذا الموقف

من الناحية العملية، يُنصح من يتمسك بحقه في حضور محاميه داخل القسم باتخاذ الخطوات التالية:

•  إثبات التمسك صراحة في المحضر بعبارة واضحة، تفيد التمسك بحضور المحامي والامتناع عن الإجابة إلا في حضوره.

•  في حال الامتناع عن إثبات هذا الطلب، يمكن للمحامي إخطار النيابة العامة ومأمور القسم كتابة بتمسك موكله بحضوره، لتوثيق واقعة الطلب بوسيلة مستقلة عن المحضر ذاته.

•  الاستناد إلى عدم إثبات هذا الطلب، إذا حدث، كدفع جوهري أمام النيابة العامة ببطلان الإجراءات، استناداً إلى المادة 54 من الدستور والمبادئ المستقرة في هذا الشأن.

خاتمة

يبقى الفهم الدقيق للفارق بين مرحلة الاستدلال ومرحلة التحقيق هو المدخل الصحيح لتقدير مدى وجوبية حضور المحامي في كل مرحلة، ومدى ما يترتب على غيابه من أثر قانوني. فحضور المحامي، وإن لم يكن شرطاً شكلياً مسبقاً لصحة كل إجراء يتم في قسم الشرطة، يظل حقاً أصيلاً للمتهم لا يجوز حرمانه منه إذا تمسك به، وضمانة جوهرية تتصل بحق الدفاع الذي كفله الدستور، ويترتب على إهدارها، متى توافرت شروط وجوبها قانوناً، بطلان الإجراء وما ترتب عليه.