الخاص يقيد العام

من أرسخ القواعد التي يتعامل بها الفقه والقضاء عند تعارض نصين قانونيين قاعدة «الخاص يقيد العام»، وتعني أن النص الخاص الذي ينظم مسألة بعينها يتقدَّم في التطبيق على النص العام الذي يحكم ذات المسألة ضمن نطاق أوسع، ولو كان النص العام لاحقاً في الصدور. غير أن هذه القاعدة، على شيوع تداولها، كثيراً ما تُطرح بشأنها إشكالية جوهرية: هل يسري الترجيح للنص الخاص أياً كانت طبيعته وفرعه القانوني، أم يُشترط أن يكون النص الخاص من ذات طبيعة النص العام الذي يقيده (جنائياً بجنائي، إدارياً بإداري… إلخ)؟

سنحاول في هذا المقال الإجابة على هذا التساؤل من خلال مثال عملي دقيق: التعارض الظاهري بين المادة (25) من قانون العقوبات التي توجب حرمان المحكوم عليه بعقوبة جناية من القبول في أي خدمة حكومية، والمادة (71) من قانون هيئة الشرطة التي تمنح المجلس الأعلى للشرطة سلطة تقديرية بعدم إنهاء خدمة الضابط المحكوم عليه لأول مرة في جريمة لا تمسّ الشرف.

أولاً: أساس قاعدة «الخاص يقيد العام» ومناط إعمالها

يقوم إعمال هذه القاعدة على وجود «تقاطع موضوعي» حقيقي بين النصين، بمعنى أن يكون كلاهما قد تناول تنظيم ذات الواقعة أو المسألة، لكن أحدهما (العام) عالجها في إطار شامل ومجرَّد يستوعب صوراً متعددة، بينما تناول الآخر (الخاص) صورة بعينها منها بتنظيم أدق وأكثر تفصيلاً. فالعبرة إذن بوحدة «محل التنظيم»، لا بالتصنيف الشكلي أو الأكاديمي للقانونين.

ولذلك استقر قضاء المحكمة الإدارية العليا على أن الخاص يقيد العام ولو كان النص العام لاحقاً للنص الخاص في الصدور، وأن مجرد صدور نص عام جديد لا يترتب عليه إلغاء ضمني للنص الخاص السابق ما لم يُفصح المشرع صراحة عن إرادته في إلغائه، تجنباً لإهدار الحكمة التي وُضع من أجلها النص الخاص أصلاً.

ثانياً: هل يُشترط اتحاد الطبيعة القانونية بين النصين؟

الإجابة، وفق ما استقر عليه الفقه والقضاء، أن المبدأ ليس مشروطاً بوحدة الفرع أو التصنيف الشكلي للقانونين (عام/خاص بالمعنى الأكاديمي، مدني/جنائي/إداري). فما يشترط حقيقةً هو أمران فقط:

1. وحدة الواقعة محل التنظيم: أن يتناول النصان ذات المسألة أو ذات المركز القانوني، ولو من فرعين مختلفين تماماً.

2. قيام تعارض فعلي: أن يكون تطبيق النص العام على إطلاقه فعلاً يؤدي إلى مصادرة الحكم الخاص الذي أراده المشرع الخاص في النص، وليس مجرد تنظيم لأثر مختلف لا يتقاطع مع النص العام.

ومن الأمثلة الدالة على عدم اشتراط اتحاد الفرع: صدور قانون تنظيم الاتصالات في مصر بتجريم بعض الأفعال المتعلقة بالاتصالات والمراسلات، ويُستبعد تطبيق النصوص العامة المقابلة لها في قانون العقوبات، فتُطبَّق أحكامه بوصفه نصاً خاصاً في المقام الأول وليس قانوناً عقابياً بالمعنى الفني الدقيق. فالفيصل هنا هو أن كلا النصين ينظم ذات الواقعة (المساس بسرية الاتصالات)، لا أن يكونا من ذات الطبيعة التشريعية. وتجدر الإشارة إلى أن قانون تنظيم الاتصالات، وإن لم يكن في ذاته قانوناً عقابياً بالمعنى الفني الدقيق، إلا أنه يُعد في هذا الشأن قانوناً مكمّلاً لقانون العقوبات، يستمد منه القواعد العامة للتجريم والعقاب فيما لم يرد بشأنه نص خاص.

ثالثاً: تطبيق ذلك على المثال المطروح

1. النص العام: المادة (25) عقوبات

تقضي هذه المادة بأن الحكم على أي شخص بعقوبة جناية يستلزم حتماً، وبقوة القانون، حرمانه من القبول في أي خدمة حكومية، دون أن يكون لجهة الإدارة أي سلطة تقديرية في هذا الشأن. والغاية منها صون الوظيفة العامة من كل من صدر ضده حكم بات في جريمة بالغة الجسامة، بوصف ذلك أثراً حتمياً يسري على كل من يُحكم عليه بعقوبة جناية أياً كانت طبيعة وظيفته أو جهته.

2. النص الخاص: المادة (71) من قانون هيئة الشرطة

تحدد هذه المادة أسباب انتهاء خدمة ضابط الشرطة، ومنها صدور حكم قضائي ضده. غير أنها استثنت من ذلك الحالة التي يكون فيها الحكم قد صدر على الضابط لأول مرة، في جريمة لا تفقده الثقة والاعتبار (أي غير مخلة بالشرف)، فلا يترتب عليها إنهاء خدمته تلقائياً، إلا إذا قدَّر المجلس الأعلى للشرطة – بقرار مسبب يستند إلى أسباب الحكم وظروف الواقعة – أن بقاءه يتعارض مع مقتضيات الوظيفة.

3. هل ثمة تعارض حقيقي يستدعي إعمال قاعدة الترجيح؟

بخلاف ما قد يُتصور للوهلة الأولى، فإن التدقيق في النصين يكشف عن تعارض حقيقي لا ظاهري؛ ذلك أن كلا النصين يتناول ذات الأثر القانوني المترتب على إدانة الضابط بجناية، وهو مدى بقائه في الخدمة العامة. فبينما توجب المادة (25) عقوبات حرمان كل محكوم عليه بعقوبة جناية من القبول في أي خدمة حكومية حرماناً حتمياً لا استثناء فيه، تمنح المادة (71) من قانون هيئة الشرطة المجلس الأعلى للشرطة سلطة تقديرية بعدم إنهاء خدمة الضابط، متى كان الحكم صادراً عليه لأول مرة في جريمة لا تفقده الثقة والاعتبار.

وتتجلى حدة هذا التعارض بوضوح إذا ما قورن شرط المادة (71) – وهو أن تكون الجريمة مخلة بالشرف والأمانة تحديداً كي يمتنع الاستثناء – بإطلاق المادة (25) عقوبات إيجابَ الحرمان من الخدمة كأثر لازم لكل حكم بعقوبة جناية دون قيد أو شرط. فالنص الخاص يُبقي احتمال البقاء في الخدمة قائماً في أضيق الحدود، بينما النص العام يحرم منها إطلاقاً؛ وهو ما يُثبت أن التعارض هنا واقعي لا صوري، ويستوجب إعمال قاعدة الترجيح بينهما.

رابعاً: الترجيح بين النصين

حل هذا التعارض لا يكون بإنكار وجوده ولا بترجيح أحد النصين على الآخر إطلاقاً، وإنما بإعمال ذات القاعدة التي بُني عليها هذا المقال – الخاص يقيد العام – في حدودها الصحيحة: فالمادة (71) من قانون هيئة الشرطة، بوصفها نصاً خاصاً ينظم تحديداً وضع ضابط الشرطة، تُقيّد إطلاق الأثر الحتمي المقرر بالمادة (25) عقوبات، لكن في أضيق الحدود التي رسمها المشرع صراحة في الاستثناء الوارد بها: أي حين يكون الحكم صادراً على الضابط لأول مرة، وفي جريمة لا تفقده الثقة والاعتبار. ففي هذا النطاق الضيق فحسب، تنعقد للمجلس الأعلى للشرطة سلطة تقديرية بعدم إنهاء الخدمة.

أما فيما عدا ذلك – أي في حالة تكرار الإدانة، أو في حالة كانت الجريمة مخلة بالشرف أو الأمانة أو مفقدة للثقة والاعتبار – فلا مجال لإعمال هذا الاستثناء، ويستعيد الأصل العام المقرر بالمادة (25) عقوبات سريانه الحتمي، فيُحرم الضابط من الخدمة وجوباً دون أن يكون لجهة الإدارة أي سلطة تقديرية في ذلك. وبذلك يتضح أن التخصيص الذي أحدثه النص الخاص لا يمتد إلا بقدر ما أفصح عنه المشرع صراحة، لا أكثر.

خامساً: تطبيق قضائي على ذلك

لم يقف هذا التحليل عند حدود التأصيل النظري، إذ يجد سنده في توجه قضائي راسخ لمحكمة القضاء الإداري، وإن ورد بمناسبة نص مماثل في قانون الخدمة المدنية لا في قانون هيئة الشرطة بالذات، مما يجعل الاستشهاد به هنا تطبيقاً بالقياس لا تطبيقاً مباشراً.

فقد قضت المحكمة الإدارية العليا بإنهاء خدمة موظف عام حُكم عليه جنائياً بجريمة مخلة بالشرف، تأسيساً على أن المادة (69) من قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 توجب انتهاء خدمة الموظف متى صدر ضده حكم بعقوبة جناية أو بعقوبة مقيدة للحرية في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة أو تفقده الثقة والاعتبار، وألزمت جهة الإدارة بأن تعرض الأمر على السلطة المختصة لإصدار قرار إنهاء الخدمة، دون أن تترك لها في هذه الحالة سلطة تقديرية.

وتنص المادة (69) من قانون الخدمة المدنية على أن: «تنتهي خدمة الموظف لأحد الأسباب الآتية: 1- بلوغ سن الستين بمراعاة أحكام قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه، ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية لاعتبارات يقدرها مد الخدمة لشاغلي الوظائف القيادية لمدة لا تجاوز ثلاث سنوات. 2- الاستقالة. 3- الإحالة إلى المعاش أو الفصل من الخدمة. 4- فقد الجنسية، أو انتفاء شرط المعاملة بالمثل بالنسبة لرعايا الدول الأخرى. 5- الانقطاع عن العمل بدون إذن خمسة عشر يوماً متتالية ما لم يقدم خلال الخمسة عشر يوماً التالية ما يثبت أن الانقطاع كان بعذر مقبول. 6- الانقطاع عن العمل بدون إذن ثلاثين يوماً غير متصلة في السنة. 7- عدم اللياقة للخدمة صحياً بقرار من المجلس الطبي المختص. 8- الالتحاق بخدمة جهة أجنبية بغير ترخيص من حكومة جمهورية مصر العربية. 9- الحكم عليه بعقوبة جناية أو بعقوبة مقيدة للحرية في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة أو تفقده الثقة والاعتبار.»

ووجه الاستدلال بهذا الحكم أنه يرسّخ ذات التمييز الذي بُني عليه التحليل المتقدم: فالإدانة بجناية تُرتّب أثرها القانوني – إنهاءً للخدمة كان أو عزلاً – بقوة القانون وبصورة حتمية لا تحتمل معها سلطة تقديرية لجهة الإدارة، خلافاً للحالة التي يكون فيها الحكم صادراً في جنحة لا تمسّ الشرف، حيث يفسح المشرع فيها مجالاً للتقدير الإداري. وهو ما يؤكد أن السلطة التقديرية المخولة بالمادة (71) من قانون هيئة الشرطة إنما تنحصر في نطاقها الطبيعي دون أن تمتد إلى ما أوجب المشرع فيه أثراً حتمياً لا معقب عليه.

سادساً: إشكالية تحديد الجريمة المخلة بالشرف والحل القضائي لغموضها

يثور إشكال جوهري بشأن معيار «الجريمة المخلة بالشرف والأمانة» أو «المفقدة للثقة والاعتبار»، ومؤداه أن قانون العقوبات لم يضع تعريفاً لماهية هذه الجرائم، ولم يحصرها بنص جامع مانع، الأمر الذي قد يُفهم منه للوهلة الأولى أن للجهة الإدارية سلطة تقديرية واسعة وغير مقيدة في تحديد أي جريمة تندرج تحت هذا الوصف، بما يهدد الضمانات القانونية للموظف أو الضابط المعني.

غير أن القضاء المصري تصدى لهذا الفراغ التشريعي، ولم يترك الأمر لتقدير الإدارة المطلق. فقد قررت محكمة النقض أن تكييف الجريمة وإصباغ صفة الإخلال بالشرف عليها من عدمه هو من سلطة القاضي الإداري وحده، وفقاً لنوع الفعل المعاقب عليه وظروف ارتكابه؛ وهو ما يحوّل المسألة من «سلطة تقديرية» للإدارة إلى «تكييف قانوني» خاضع لرقابة القضاء الإداري الكاملة، لا لرقابة الملاءمة المحدودة فحسب.

كما حاولت المحكمة الإدارية العليا في عدد من أحكامها وضع معيار موضوعي لهذه الجرائم، فذهبت إلى أنها تلك التي ترجع إلى ضعف في الخلق وانحراف في الطبع، مع الأخذ في الاعتبار نوع الجريمة والظروف التي ارتكبت فيها والأفعال المكوّنة لها، ومدى كشفها عن التأثر بالشهوات والنزوات وسوء السيرة. وعلى هذا الأساس استقر الفقه والقضاء على اعتبار جرائم بعينها مخلة بالشرف دون خلاف، كالسرقة والتزوير وهتك العرض والنصب والاحتيال وخيانة الأمانة، لدلالتها الواضحة على انحراف الخلق والتربص بمال الغير أو عرضه.

بيد أن هذا التأصيل القضائي لم يُنه الإشكال كلياً، إذ لا يزال هناك تباين ملحوظ في بعض الأحكام حول تكييف جرائم بعينها – أبرزها جريمة إصدار شيك بدون رصيد – الأمر الذي دعا بعض الفقه إلى المطالبة بتدخل تشريعي يضع قائمة محددة بالجرائم المخلة بالشرف، إنهاءً لحالة عدم اليقين القانوني. وحتى صدور مثل هذا التدخل التشريعي، يبقى الضابط الحاسم أن القرار الإداري الصادر بموجب المادة (71) يجب أن يكون مسبباً تسبيباً كافياً يُبرز عناصر الإخلال بالشرف في واقعة بعينها، وأن هذا التسبيب يخضع بدوره لرقابة القضاء الإداري إلغاءً وتعويضاً، بما يحول دون انفراد الإدارة بتقدير مطلق لا معقب عليه.

تواصل معنا

Posted in عام