يُعد شرط حسن النية من أكثر المفاهيم القانونية حضوراً، وأشدها غموضاً في آن واحد. فهو حاضر في كل فروع القانون تقريباً، ومع ذلك يظل بلا تعريف تشريعي جامع مانع، الأمر الذي يترك للفقه والقضاء مهمة تحديد مضمونه في كل سياق على حدة. وإذا كان هذا الغموض مقبولاً، بل مقصوداً، في النظرية العامة للالتزامات باعتباره معياراً مرناً يتكيف مع كل حالة، فإنه يصبح أكثر إلحاحاً حين يُنقل إلى ميدان قانون الشركات، حيث تتشابك مصالح متعددة: الشركاء، والشركة كشخص معنوي مستقل، والدائنون، والغير المتعامل معها. فما الذي يعنيه أن يتصرف الشريك أو المدير أو عضو مجلس الإدارة بحسن نية؟ وهل يكفي معيار واحد لضبط هذا السلوك في كل هذه العلاقات المتباينة؟
تحاول هذه المساهمة الفقهية أن تقترب من هذا السؤال، لا بعرض التعريفات التقليدية لحسن النية فحسب، بل بمحاولة صياغة قراءة تفسيرية تلائم خصوصية العلاقة الشركاتية، وتتجاوز الاكتفاء بالمعيار العام المستمد من النظرية العامة للعقد.
أولاً: حسن النية كأصل عام في النظرية العامة للالتزامات
يقوم الأساس التشريعي العام لشرط حسن النية على القاعدة التي تقضي بوجوب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه، وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، بحيث لا يقتصر العقد على ما ورد فيه من عبارات صريحة، بل يمتد ليشمل كل ما يعد من مستلزماته وفقاً للقانون والعرف وطبيعة الالتزام. وقد استقر الفقه المدني على أن حسن النية، في هذا السياق، معيار موضوعي لا شخصي، بمعنى أنه لا يُقاس بنية المتعاقد الداخلية الخفية، بل بمدى مطابقة سلوكه لما يقتضيه السلوك المعتاد لشخص حريص أمين في مثل ظرفه.
غير أن نقل هذا المعيار، كما هو، إلى قانون الشركات، دون مراعاة لخصوصية العلاقة القائمة بين الشريك والشركة، أو بين المدير والجمعية العامة، يُفقِد الشرط الكثير من وظيفته العملية، ويُبقيه أداة تفسيرية عامة لا معياراً رقابياً فعالاً.
ثانياً: مظاهر حسن النية في قانون الشركات
يتخذ حسن النية في قانون الشركات صوراً متعددة بحسب موقع الشخص من العلاقة الشركاتية، ويمكن حصر أبرزها في ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: حسن النية عند التأسيس
ويظهر في التزام الشركاء المؤسسين بالإفصاح الصادق عن حقيقة الحصص المقدمة، وعدم المبالغة في تقييم الحصص العينية، وعدم إخفاء معلومات جوهرية عن باقي الشركاء أو عن الغير الذي يُفترض أن يتعامل مع الشركة بعد قيامها.
المستوى الثاني: حسن النية في الإدارة
ويتجسد في واجب المدير أو عضو مجلس الإدارة بالتصرف لمصلحة الشركة لا لمصلحته الشخصية، وتجنب تضارب المصالح، والإفصاح عن أي منفعة شخصية قد تتعارض مع قراراته الإدارية. وهنا يقترب حسن النية من مفهوم أوسع هو واجب الولاء، الذي يفرض على من يتولى إدارة أموال الغير أن يقدم مصلحة من يمثلهم على مصلحته الخاصة.
المستوى الثالث: حسن النية بين الشركاء أنفسهم
ويظهر بوضوح في العلاقة بين الأغلبية والأقلية داخل الجمعية العامة، حيث يُطلب من الأغلبية عدم استغلال ثقلها التصويتي لتمرير قرارات تُحقق مصلحتها الخاصة على حساب الأقلية، وهو ما يُعرف في بعض الأنظمة القانونية بنظرية «إساءة استعمال الأغلبية»، والتي تُعد من أخصب تطبيقات حسن النية في قانون الشركات.
ثالثاً: المادة 58 من قانون الشركات – نموذج تطبيقي على الأثر الإيجابي والسلبي لحسن النية
تُعد المادة 58 من قانون الشركات المصري رقم 159 لسنة 1981 من أوضح النصوص التي تكشف الوظيفة المزدوجة لحسن النية تجاه من يتعاملون مع الشركة، إذ تنص على أنه «لا يعتبر حسن النية – في حكم المواد السابقة – من يعلم بالفعل أو كان في مقدوره أن يعلم بحسب موقعه بالشركة أو علاقته بها، بأوجه النقص أو العيب في التصرف المراد التمسك به في مواجهة الشركة». وترتبط هذه المادة ارتباطاً وثيقاً بالمواد من 53 حتى 57 من القانون ذاته، التي تُقرر حماية الغير حسن النية المتعامل مع الشركة، بحيث تسري هذه المنظومة كذلك على الشركات ذات المسؤولية المحدودة بالقدر الذي يتفق مع طبيعتها.
الأثر الإيجابي لحسن النية:
بمقتضى المواد السابقة على المادة 58، يستفيد الغير حسن النية المتعامل مع الشركة من حماية واسعة تقوم على نظرية الوضع الظاهر؛ فلا يجوز للشركة أن تحتج عليه بأن نصوص عقدها أو لوائحها لم تُراعَ بشأن التصرف، ولا أن تدفع بعدم صحة تعيين من أجرى التصرف معه من أعضاء مجلس إدارتها أو مديريها أو موظفيها أو وكلائها، طالما جاء تصرفهم في الحدود المعتادة لأمثالهم في شركات تمارس ذات النشاط. وبذلك يتحول حسن النية من معيار أخلاقي مجرد إلى أداة قانونية فعلية تحمي استقرار المعاملات، وتصون ثقة الغير في المظهر الخارجي الذي تبديه الشركة، دون إلزامه بالتحقق من دهاليزها الداخلية.
الأثر السلبي لحسن النية:
في المقابل، جاءت المادة 58 لتضع حداً لهذه الحماية، فاستبعدت صفة حسن النية عمن كان يعلم بالفعل، أو كان في مقدوره أن يعلم – بحسب موقعه في الشركة أو طبيعة علاقته بها – بوجود عيب أو نقص في التصرف الذي يريد التمسك به. ولم يكتفِ المشرع هنا بمعيار العلم الفعلي وحده (وهو معيار شخصي بطبيعته)، بل أضاف إليه معيار «إمكانية العلم» المرتبط بموقع الشخص وعلاقته بالشركة، وهو معيار موضوعي مركب يتفاوت تطبيقه بحسب درجة قرب الشخص من الشركة. فمن كان عضواً سابقاً في مجلس الإدارة، أو موظفاً كبيراً مطّلعاً على شؤونها، أو شريكاً له دراية بأوضاعها الداخلية، يُفترض فيه علم أوسع من الغير العادي البعيد عنها، وبالتالي يضيق نطاق حمايته إذا ادعى الجهل بالعيب، بل قد تنعدم هذه الحماية كلياً إذا ثبت أن موقعه كان يفرض عليه العلم.
وتتجلى من خلال هذا النص ازدواجية وظيفة حسن النية بوضوح: فهي من ناحية أداة حماية إيجابية تصون ثقة الغير العادي في المظهر الخارجي للشركة وتُشجع على التعامل معها دون تردد، وهي من ناحية أخرى أداة استبعاد وتقييد سلبية، تحرم من كان أقرب إلى الشركة معرفةً وموقعاً من التذرع بهذا المظهر الخارجي للإفلات من أثر عيب كان يعلمه أو كان يفترض به أن يعلمه. وهذا التوازن الدقيق بين الحماية والتقييد هو ما يجعل من المادة 58 نموذجاً تطبيقياً بالغ الدلالة على المعيار المركب الذي دعت إليه هذه المساهمة، إذ يجمع النص بين فحص موضوعي (موقع الشخص وعلاقته بالشركة) وأثر شخصي مباشر (استبعاد صفة حسن النية عنه) في آنٍ واحد.
رابعاً: الاتجاهات الفقهية في تفسير الشرط
انقسم الفقه، عند تفسير حسن النية في السياق الشركاتي، بين اتجاهين رئيسيين. يميل الاتجاه الأول إلى الإبقاء على المعيار الموضوعي المستمد من النظرية العامة للعقد، فيقيس سلوك الشريك أو المدير بمعيار الشخص المعتاد الحريص، دون النظر إلى نيته الداخلية، تحقيقاً للثبات والقابلية للتنبؤ في المعاملات. أما الاتجاه الثاني، فيرى أن العلاقة الشركاتية، لكونها علاقة ثقة واستمرار لا علاقة تبادلية آنية كعقد البيع مثلاً، تستوجب معياراً أكثر دقة يأخذ بعين الاعتبار نية الإضرار أو الانحراف عن الغرض الذي من أجله مُنحت السلطة، وهو ما يقترب من فكرة «الانحراف بالسلطة» المعروفة في القانون الإداري أكثر من قربه من حسن النية العقدي التقليدي.
ويكمن القصور في كلا الاتجاهين، إذا أُخذ كل منهما بمعزل عن الآخر، في أن المعيار الموضوعي البحت قد يُفلت من العقاب تصرفات شكلها سليم وجوهرها منحرف، بينما المعيار الشخصي البحت يُحمّل القضاء عبء إثبات نية داخلية يصعب الوقوف عليها يقيناً.
خامساً: نحو معيار مركب لحسن النية في قانون الشركات
تتمثل المساهمة المقترحة هنا في تبني معيار مركب، يجمع بين الموضوعية والشخصية، لكن بترتيب منهجي لا بخلط عشوائي بينهما. ويقوم هذا المعيار على خطوتين متتاليتين:
الخطوة الأولى: فحص موضوعي أولي، يُقارن فيه التصرف المطعون فيه بما كان يقتضيه السلوك المعتاد لشخص حريص أمين في نفس الموقع الوظيفي داخل الشركة (شريك، مدير، عضو مجلس إدارة). فإذا اجتاز التصرف هذا الفحص دون شبهة، انتفت الحاجة للانتقال للخطوة الثانية، تحقيقاً لمبدأ الاستقرار وعدم إثقال المعاملات الشركاتية بتحقيقات لا داعي لها.
الخطوة الثانية: فحص غرضي (وظيفي)، لا يُلجأ إليه إلا إذا أثار التصرف شبهة انحراف عن الغرض الذي مُنحت السلطة من أجله، كأن يستخدم المدير سلطته في مصلحة شخصية مقنّعة، أو تستخدم الأغلبية ثقلها التصويتي لإقصاء الأقلية دون مبرر موضوعي يخدم مصلحة الشركة. وهنا ينتقل الفحص من مطابقة الشكل إلى تحري الغرض، على أن يقع عبء إثبات الانحراف على من يدعيه، حماية لاستقرار قرارات الشركة من جهة، ولحقوق الأقلية والدائنين من جهة أخرى.
وميزة هذا المعيار المركب أنه لا يُعامل جميع الأطراف داخل الشركة بمعيار واحد جامد؛ فكلما ازدادت السلطة الممنوحة للشخص (كعضو مجلس الإدارة مقارنة بالشريك العادي غير المدير)، ازداد نطاق الفحص الغرضي المتوقع منه، تناسباً مع درجة الثقة الممنوحة له، وهو ما يتسق مع فلسفة واجب الولاء التي تشتد كلما اتسعت سلطة التصرف في مال الغير أو مصيره.
خاتمة
لا يكفي في قانون الشركات أن يُستعار شرط حسن النية من النظرية العامة للالتزامات دون مواءمته مع خصوصية العلاقة الشركاتية، القائمة أصلاً على الثقة والاستمرار وتعدد المصالح المتقاطعة. ويظل المعيار المركب المقترح هنا محاولة اجتهادية لتجاوز جمود المعيار الموضوعي البحت، دون الوقوع في صعوبة إثبات النية الداخلية التي يفرضها المعيار الشخصي البحت، بما يحقق توازناً بين استقرار المعاملات الشركاتية من جهة، وحماية الأطراف الأضعف داخل الشركة من إساءة استعمال السلطة أو الثقة من جهة أخرى. ويبقى هذا الطرح، شأنه شأن أي مساهمة فقهية، مفتوحاً للنقاش والتطوير، تبعاً لما يستجد من تطبيقات قضائية في هذا الميدان الحيوي والمتجدد.



